قال موقع "بي إن إي إنتلي نيوز"، إن قرار مصر برفع أسعار الوقود وترشيد استهلاك الكهرباء، ليس لأنها الاقتصاد الأكثر عرضة لتداعيات أزمة النفط، بل لأنها من بين الأقل قدرة على استيعابها.
وأشار إلى أن ضعفها أمام تداعيات الحرب الإيرانية ينبع بشكل رئيس من ضعف احتياطياتها الاقتصادية الكلية، مما يجعلها شديدة الحساسية لارتفاع تكاليف الاستيراد، وضغوط العملة، والضغوط المالية.
ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، شكلت التدفقات عبر مضيق هرمز في عام 2024 والربع الأول من عام 2025 أكثر من ربع إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرًا على مستوى العالم، ونحو خُمس الاستهلاك العالمي للنفط والمنتجات البترولية.
تهديد مباشر لمصر
وبحسب التقرير، فإن هذا يجعل أي اضطراب مستمر بسبب الحرب الإيرانية يشكل تهديدًا مباشرًا للمستوردين الصافيين الإقليميين مثل مصر، التي أصبحت أكثر اعتمادًا على الوقود المستورد حيث انخفض إنتاج الغاز المحلي من ذروته في عام 2021، وفقًا لبيانات سوق الطاقة.
وفي العاشر من مارس، رفعت مصر أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 14% و17%، حيث ارتفع سعر السولار إلى 20.50 جنيهًا مصريًا للتر الواحد من 17.50 جنيهًا. وأوضحت وزارة البترول أن هذه الزيادة جاءت في ضوء "الوضع الاستثنائي الناجم عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية".
وصرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في 18 مارس بأن تكاليف استيراد الطاقة المحلية ارتفعت بما يتراوح بين ضعفين إلى ضعفين ونصف منذ الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وقفزت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي الشهرية من حوالي 560 مليون دولار قبل النزاع إلى ما يقارب 1.65 مليار دولار، بينما ارتفع سعر النفط الخام من 69 دولارًا للبرميل إلى ما يقارب 110 دولارات، ولا يزال في ازدياد.
وصرحت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، في 19 مارس، بأن الصدمة المباشرة كانت قابلة للإدارة حتى الآن، ولكن فقط من خلال تدخل سياسي فعال. وأضافت أن "تأثير الصراع على مصر ظل محدودًا نسبيًا"، مشيرةً إلى أن السلطات اتخذت "استجابة استباقية وفي الوقت المناسب ومنسقة بشكل جيد". كما أوضحت أن مرونة سعر الصرف ساعدت في "الحفاظ على احتياطياتها من العملات الأجنبية واحتياطياتها الدولية".
واعتبارًا من 28 مارس، واستجابةً للأزمة الإيرانية، تخطط مصر أيضًا للبدء في الحد من بعض استخدامات الكهرباء، بما في ذلك مطالبة مراكز التسوق والمتاجر والمقاهي بالإغلاق في وقت مبكر، وإطفاء لوحات الإعلانات المضيئة، وتقليل الإضاءة العامة.
وفقًا للتقرير، فإن الخطوات المتخذة حتى الآن تُبرز معضلة الحكومة: هل تتحمل ارتفاع تكاليف الطاقة في الميزانية أم تُحمّلها على الأسر والقطاع الصناعي؟ وبغض النظر عن مشاكل الإمداد قصيرة الأجل، فإن هشاشة الوضع المالي لمصر تكمن في ميزان المدفوعات، وضيق القناة المالية. ويرى محللو القطاع الخاص تأثيرًا ملموسًا على الميزانية في كلتا الحالتين.
رفع فاتورة الاستيراد
ومن شأن ارتفاع أسعار النفط والغاز أن يرفع فاتورة الاستيراد، في الوقت الذي لا تزال فيه القاهرة تعتمد على تدفقات العملات الأجنبية ودعم صندوق النقد الدولي. في 25 فبراير، قبيل اندلاع الصراع في إيران، أكمل صندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر، والمراجعة الأولى في إطار آلية المرونة والاستدامة، مما أتاح صرف حوالي 2.3 مليار دولار كمدفوعات جديدة، ليصل إجمالي المشتريات في إطار آلية المرونة والاستدامة إلى حوالي 5.2 مليار دولار.
وبحسب معهد التمويل الدولي، قد تزيد التكلفة الإضافية للنفط من نفقات مصر بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.55% من الناتج المحلي الإجمالي. مما يشكل رقمًا هامًا لاقتصاد مثقل أصلاً بديون ضخمة، حيث تمثل مدفوعات الفائدة وحدها نحو نصف الإنفاق الحكومي في السنة المالية الحالية.
ويشكل خطر التضخم أيضًا خطرًا جوهريًا. وتشير قاعدة صندوق النقد الدولي إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار الطاقة، إذا استمر لمدة عام تقريبًا، يضيف 40 نقطة أساس إلى التضخم العالمي ويخفض الناتج بنسبة تتراوح بين 0.1% و0.2%. وبالنسبة لمصر، حيث تؤثر تكاليف الوقود المرتفعة بسرعة على أسعار النقل والكهرباء والغذاء، قد يكون هذا التأثير حادًا للغاية.
"دولة هشة"
ولهذا السبب، وصف التقرير مصر بأنها تبرز كدولة هشة حتى وإن لم تكن الدولة الأكثر تأثرًا بتقلبات أسعار النفط. فاحتياطياتها المالية ضئيلة، واعتمادها على الواردات قد ازداد، وخياراتها السياسية لا تزال محدودة بسبب الديون، وحساسيتها للتضخم، وضرورة الحفاظ على ثقة المستثمرين. وإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، وتفاقمت الاضطرابات الإقليمية، فقد يزداد الضغط على الجنيه المصري، والميزانية، والأسعار المحلية، وفقاً لتقييمات صندوق النقد الدولي ومحللي السوق.
وكتب خالد عظيم، مدير مختبر مستقبل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي: "مع استمرار تأثير الحرب في إيران على الأسواق العالمية، وإن لم تُعطّلها تمامًا، فقد انصبّ الاهتمام، بشكل مفهوم، على إمدادات الطاقة ودول الخليج التي تعرّضت لهجمات إيرانية. ومع ذلك، ينبغي على مراقبي السوق مراقبة مصر عن كثب باعتبارها مؤشرًا هامًا على ما قد يحدث".
وحذر التقرير من أي اضطراب مالي في مصر سيؤثر ليس فقط على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل قد يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية أيضًا. فالاقتصاد المصري ضخم، وله أهمية نظامية في المنطقة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتدفقات المالية العالمية. إضافة إلى ذلك، بالنسبة للولايات المتحدة على وجه الخصوص، تكتسب مصر أهمية جيوسياسية بالغة كشريك لتحقيق الاستقرار في منطقة مضطربة أصلاً.
موقف مصر الخارجي:
• إجمالي الدين الخارجي: 169 مليار دولار (حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي)
• خدمة الدين الخارجي المستحقة في عام 2026: 27 مليار دولار
• العجز المتوقع في الحساب الجاري (افتراض أساسي): 15 مليار دولار
• الاحتياطيات الدولية: 53 مليار دولار (تكفي لتغطية الواردات لمدة خمسة أشهر تقريبًا)
الوضع المالي المحلي:
• العجز المالي المتوقع لعام 2026: 1.427 تريليون جنيه (27.2 مليار دولار ، أو 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي)
• إجمالي الإنفاق الحكومي: 4.396 تريليون جنيه
• مدفوعات الفوائد: 2.3 تريليون جنيه (أكثر من نصف إجمالي الإنفاق)
وتابع عظيم: "تعتمد توقعات ميزان المدفوعات المصري بشكل كبير على ثلاثة متغيرات: أسعار النفط، وعائدات السياحة، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج. وسيحدد تفاعل هذه المتغيرات في نهاية المطاف مسار عجز الحساب الجاري لمصر، وبالتالي حاجتها إلى التمويل الخارجي".

